الأدب الإسلامي وعلم الجمال

كتبها ayaan mahamed ، في 25 نوفمبر 2007 الساعة: 08:56 ص

الأدب الإسلامي وعلم الجمال

إن طبيعة الإنسان تنجذب إلى كل ماهو جميل، وقد ورد عن رسول الله (ص) "إن الله جميل يحب الجمال"، وقد شاءت قدرة المبدع البديع الخالق سبحانه وتعالى أن يجعل من الجمال _في شتى صوره _ مناط رضى وسعادة لدى الإنسان، واستساغة الجمال حق مشاع، وربما تختلف مقاييسه من فرد لفرد، ومن عصر لعصر، لكنه اختلاف محدود قد يمس جانباً من الجوانب، أو عنصراً من العناصر التي تشكل القيمة الجمالية، ولم يقف الإحساس بالجمال عند النظرة الشاملة، أو الانطباع المبهم، أو الإيحاء التلقائي السريع، ويقول الدكتور زكي نجيب محمود: "الإنسان العادي من جمهور الناس، إذا عرف في حياته الجارية،كيف يفرق بين ما هو جميل وما هو قبيح فيما يحيط به من أشياء، فإنه مع معرفته تلك، يظل بعيداً أشد البعد عن القدرة على بيان الأسس التي إذا توافرت في شيء ما، كان ذلك الشيء جميلاً، وإذا غابت عن شيء ما، كان ذلك الشيء مسلوب الجمال، بمقدار ما غاب عنه من تلك الأسس، وقد يحدث هنا أن يتصدى للمشكلة مفكر موهوب في عمق التفكير ودقته، فيتناول هذه التفرقة بين الجمال والقبح، حتى يصوغ أسسها ومبادئها وشروطها، وعندئذ يقال عن مثل هذا المفكر: إنه فيلسوف، كما يقال عما يكتبه في هذا الموضوع: إنه "فلسفة الجمال"، ولنلحظ هنا أن عملية النقد في مجال الفن والأدب، إنما هي فرع يتفرع عن "فلسفة الجمال"، ولذلك فقد يختلف النقاد في الأساس الذي يقيمون عليه نقدهم، باختلافهم في المذهب الفلسفي الذي يناصرونه".
ومن الخطأ أن نعتقد أن للجمال مقاييسه الحسية وحدها، تلك التي تقع عليها العين، أو تسمعها الأذن، أو يشمها الأنف، أو يتذوقها اللسان، أو تتحرك لها لمسات الأطراف العصبية، فالجمال مادة وروح، واحساس وشعور، وعقل ووجدان، فإذا التقى فلاسفة الجمال في بعض الجوانب أو العناصر، فستظل هناك في عالم الجمال مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراك كنهها، والوصول إلى أبعادها، فليس العقل وحده هو القوة القادرة على استكناه كل أسرار الوجود وما خفي فيه، ولحكمة يقول الله في كتابه العزيز (…فإنها لا تَعمى الأبصارُ ولكن تَعمى القُلوبُ التي في الصُّدورِ) (الحج: 46).
لقد استطاعت الفلسفات القديمة أن تصل إلى قناعة بأن القيم الثلاث (الحق _ الخير _ الجمال) هي القيم الكبرى في الوجود، وأنه تحت مظلة هذه القيم الثلاث الكبرى تندرج القيم الإنسانية جميعاً فروعاً لها، وقيمة "الخير" تلك تنبثق من التفرقة بين ما هو رذيلة وشر، وبين ما هو فضيلة وخير، هذه التفرقة يقوم بها مفكر موهوب _طبقاً للتصور الفلسفي _ يتميز بدقة التحليل، ونفاذ البصيرة، فيصوغ تلك الأسس التي على وجودها تبنى الفضيلة، وعلى غيابها تبنى الرذيلة، فإذا تحقق لذلك المفكر ما أراده، عددناه فيلسوفاً، وعددنا ما كتبه "فلسفة الأخلاق".
أما إذا كانت التفرقة بين الخطأ والصواب، بحيث يقوم بها مفكر دقيق، أوتي سعة الأفق، وأصالة الدقة، كان ذلك هو "علم المنطق" وهو فرع من الفلسفة، وعن طريقه نصل فلسفيّاً إلى قيمة "الحق".
الحق والخير والجمال إذن هي القيم الثلاث الكبرى في الفلسفات القديمة، وهي صناعة عقلية بشرية بحته، ترعرعت في ظل التجربة والتاريخ والأحداث، ويقول الأستاذ محمد قطب في منهج الفن الإسلامي: إن كلا من الفن والدين يعبر عن الحقيقة الكبرى، كما يقول: إن القرآن يوجه الحس البشري للجمال في كل شيء، وإنه يسعى لتحريك الحواس المتبلدة لتنفعل بالحياة في أعماقها، وتتجاوب تجاوباً حيّاً مع الأشياء، والأحياء، وهنا يلتقي الفن بالدين.. "والفن الصحيح هو الذي يهيىء اللقاء الكامل بين الجمال والحق، فالجمال حقيقة في هذا الكون، والحق هو ذروة الجمال، ومن هنا يلتقيان في القمة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود".
والجمال ليس قيمة سلبية لمجرد الزينة، كما أنه ليس تشكلاً ماديّا فحسب، ولكنه بالمعنى الصحيح حقيقة مركبة في مداخلها وعناصرها وتأثيراتها المادية والروحية، وموجاته الظاهرة والخفية، وفي انعكاساته على الكائن الحي، ذلك لأن أثره يخالط الروح والنفس والعقل، فتنطلق ردود أفعال متباينة، بعضها يبدو جليّاً وبعضها الآخر يفعل فعله داخلياً، لكن محصلة ذلك كله ما يتحقق للإنسان من سعادة ومتعة، وما ينبثق عن ذلك من منفعة، تتجلى فيما يأتي أو يدع من أفعال وأقوال، وفيما يحتدم داخله من انفعالات ومشاعر، والجمال بداهة لا يرتبط بالمظاهر الحسية وحدها، وهذه قضية هامة من وجهة النظر الإسلامية، فالمرأة الجميلة الفاتنة لا يصح أن تكون مجرد أداة لإثارة الشهوة البهيمية، وارتكاب الرذيلة، واشباع الرغبة الآثمة، وجمال الطبيعة وما فيها من ورود وزهور وأنهار وجبال وطيور، ليس مجرد جمال سطحي، لكنه ينبع من قوة مبدعة قادرة، خلقت فأحسنت، وصنعت فخلبت الألباب والأبصار، وأثارت الفكر والتأمل، وفتحت أبواب الإيمان واليقين بهذه القدرة المعجزة الخالقة، وإذا كان الاستمتاع بالجمال مباحاً في الأصول الإسلامية، فإنه مدخل إلى ارتقاء الروح والذوق، وسمو النفس وخلاصها من التردي والسقوط، ومحرك للفكر كي يجول إلى ما هو أبعد من المظاهر الحسية التي قد كتب عليها الزوال، فالجمال سبب من أسباب الإيمان، وعنصر من عناصره، والقيم الجمالية الفنية تحمل على جناحيها ما يعمق هذا الإيمان ويقويه، ويجعله وسيلة للسعادة والخير في هذه الحياة.
فالمسلم إذ يقبل الجزء الأكبر مما قيل عن "البيت" من الداخل، يرفض رفضاً قاطعاً أن تكون جدران "البيت" هي أوله، وهي آخره، لأنه يعتقد أنه بيت إلى زوال، كان قبله أزل، وسيكون بعده أبد الخلود.
ويشير الأستاذ محمد قطب في "منهج الفن الإسلامي" إلى أن التصور الأوروبي قائم على مادية الإنسان، وحيوانية الإنسان، وإنكار الروح، وأن السبب في ذلك هو "الدارونية" القديمة، التي تولدت عنها "الماركسية" وعلم النفس الحديث، وعلم الاجتماع الحديث، وتأثر بها الأدب والفن في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
ولقد تأثرت "فلسفة الجمال" بهذه التصورات الجديدة للحياة، مثلما تأثرت فلسفة الجمال عند ارسطو بعوامل تاريخية وعقائدية، وحمل فلاسفة الجمال الجدد على كل الفلسفات الجمالية القديمة، كما حاولوا بكل قوة أن يعزلوا الفن عن الدين، وأن يصوروا العلاقة بينهما على أنها علاقة نفور وتضاد، فتارة يقولون: إن الفن غاية، وإن شعارات الدين والسياسة وغيرهما تفسد الفنون، وتارة أخرى يزعمون أن الأديان قيود والفن حرية وانطلاق، ومرة ثالثة يدعون أن الدين عماده الأخلاق، والفن لا يعبأ بهذا الجانب، إذ أن الفنون في نظرهم ل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb